عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
227
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
وآخر سيئا . فبالعمل الصالح الذي من نتائج النور كان السالك سائرا إلى اللّه وبالعمل السيء الذي من نتائج ظلمة صفات النفس كان يرجع القهقرى . عسى اللّه أن يتداركهم بجذبة العناية ويتوب عليهم . أي : يرجع بهم إلى السير بتقوية النور واستيلائه على ظلمات صفات النفس ، وإطفاء لهب نار شهواتها ليجوزوا على النار ، كالريح المرسلة ، ولما كان بعض أجزاء بدن الروح مستعدا في أصل الفطرة للثبوت في شجرة الإنسانية ، وبعضها مستعدا للخروج منها بعد الموت . قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - : في جواب من سأله عن ذراري المشركين : قال : « اللّه أعلم بما كانوا عاملين » « 1 » يعني إن كانوا ممن أصابهم النور المرشش لكانوا عاملين بما يدخلهم الجنة ولو كانوا ممن أخطأهم لكانوا عاملين بما يدخلهم النار . والقسم الثالث منها وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( 11 ) [ الواقعة : 10 ، 11 ] من الأنبياء والأولياء . وقد قدر اللّه تعالى لهم أن يكونوا مجذوبين من أجزاء قذر الروح بالسير في شجرة الإنسانية من مقامات النفس ، والطير على أغصانها في مقامات القلوب ، وكالريح المرسلة إلى أزهارها على مقامات الروحانية ، وكالبرق الخاطف بجذبات الألوهية للخروج عن قشر الوجود ، فانيا عن الشجرية باقيا بالثمارية في مقامات الوصول ، وهم الذين أحبهم اللّه أن يخلقهم ليعرفوه إظهارا للكنز المخفي ، وسائر المخلوقات كان تبعا لوجودهم ، كما أن سائر أجزاء الشجرة يكون تبعا للثمرة . قال اللّه تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذّاريات : 56 ] أي ليعرفون ، وأما فائدة تكرار السبق في حقهم وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( 11 ) من وجوده منها أنهم هم الذين سبقت لهم منا الحسنى بأنه تعالى يجعلهم مستحقين لجمال به يحبهم ويجعلهم مستعدين لكمال به يحبونه ، فهم السابقون بسبق العناية في حقهم . ومنها : أنهم السابقون على سائر أجزاء بذر الروح من السائرين للخروج من شجرة الإنسانية بالخروج للثمارية - ولاية ونبوة ورسالة - . على حسب مراتبهم بالخروج والتفاوت فيما بينهم بالنقصان والكمال بالثمارية ، وصغرها وكبرها . ومنها : أنهم أهل السبق بالمحبوبية والمحبية في القدم . وأهل السبق في استماع خطاب اللّه والائتمار بأمره وجواب خطابه حين خاطبهم بقوله : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب القدر ، باب معنى : كل مولود يولد على الفطرة . . . ، حديث رقم ( 24 - 2658 ) ، ورواه البخاري في صحيحه ، كتاب القدر ، باب اللّه أعلم بما كانوا عاملين حديث رقم ( 6599 ) . ورواه غيرهما .